دارفور: نصدق ما يحلو لنا !
دارفور: نصدق ما يحلو لنا !
نزار آغري
النهار 13/8/2004
موقع نوروز 14/8/2004
يشد الوضع المأسوي للملايين من الناس في دارفور انتباه العالم. ولم يكن ذلك ليحدث لولا الاهتمام المتزايد من الحكومات في اوروبا والولايات المتحدة والدول الافريقية وهيئة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية.
لم ينشأ الاهتمام هذا من فراغ. كان للصحافيين دور كبير في تسليط الضوء على المأساة. لقد عمدت كبريات الصحف في العالم الى نقل صورة حية، مدعومة بالصور والتقارير الميدانية، عن مجريات الاحداث. وقام صحافيون عالميون بكتابة تحقيقات ميدانية وافتتاحيات ومقالات تحض الرأي العام على الالتفات الى الكارثة التي تحيق بالملايين من البشر وتجعلهم عرضة للموت.
غير ان قسما كبيرا من صناع الرأي العام في العالم العربي استغل هذه الاشياء بعين الشك والريبة. واستخفت الغالبية العظمى من الساسة والكتاب والمثقفين العرب بتلك التقارير واعتبرتها محض اباطيل. ونظر الكثيرون من هؤلاء الى الاهتمام الذي يبديه الرأي العام العالمي بالوضع في دارفور باعتباره مؤامرة "اميركية وصهيونية" تريد الحاق الاذى بالامة العربية.
وقال هؤلاء ان "الغرب" انما "خلق" مشكلة دارفور بغاية معاقبة السودان من جراء مواقفها العروبية والاسلامية.
ولم يشكل معاناة السكان الذين تعرضوا الى القتل الجماعي والترحيل والهلاك شيئا يستحق الاكتراث طالما ان الجاني دولة عربية واسلامية.
وليست هذه اول مرة تصور فيها الامور على هذا النحو. فالتقارير التي تنشرها منظمات حقوق الانسان عن احوال الكبت وانتهاكات حقوق الانسان وقمع الاقليات في المجتمعات العربية تستقبل بالاستحقار وتعتبر، في افضل الاحوال، تجنياً على الحكومات واساءة مقصودة لها بسبب مواقفها الوطنية. وتلتزم غالبية الكتاّب والمثقفين والاعلاميين العرب الصمت ازاء كل ذلك. فاذا عمد صحافيون من اوروبا او الولايات المتحدة الى الكتابة عن الموضوع عدوا ذلك تهويلا مقصودا وعملا مغرضا يختزن نية سيئة. وكانت التقارير الصحافية عن الفظائع في ظل حكومة صدام حسين تُرمى جانبا ويوصف كتابها بتهم شنيعة ليس اقلها العمل كجواسيس لـ"الموساد" الاسرائيلي و"السي آي إي" الاميركية.
ومع هذا فان التقرير الذي كتبه الصحافي الاميركي سيمون هيرش، في صحيفة "النيويوركر" حول وجود اسرائيليين في كردستان العراق استقبل من جانب هؤلاء جميعا بحفاوة بالغة. ولأول مرة لم يعد كون الصحافي اميركيا سببا يدعو الى التشكيك في اقواله. واعتبرت مقالته بمثابة كتاب مقدس لا تشوبه شائبة او ضلال. لم يكن الصحافي الاميركي، هذه المرة، عميلا لـ"الموساد" او "السي آي إي" بل كاد يتحول بطلا قوميا عربيا. وتنادى الكثير من الساسة والكتّاب والمثقفين والاعلاميين العرب لعقد الندوات في الفضائيات العربية للتداول في شأن المؤامرة الكردية - الاسرائيلية التي كشفها الصحافي الاميركي.
ورغم ان التقرير خلا من اي وثيقة او سند او صورة او دليل لتعزيز فحواه فقد تم التشبث به وبنيت عليه خلاصات قاطعة. وبعكس التقارير الصحافية عن الوضع في دارفور، حيث دوّن الصحافيون مشاهداتهم بالتماس المباشر مع الوقائع على الارض واعتمادا على معطيات ملموسة فان سيمون هيرش كتب مقالته من مكتبه في نيويورك. وكانت صحيفة "جمهوريت" التركية اشارت الى ان الصحافي الاميركي كتب ما كتبه بعد التقائه بمسؤولين اتراك. ونفت الجماعات الكردية ما جاء في التقرير ودعت المهتمين بالامر للذهاب الى كردستان والتدقيق في الامر بأنفسهم. فلا يمكن اخفاء جيش كبير يقوم بتدريبه ضباط اسرائيليون، تبعا لما ذكره التقرير، اذ لا بد ان يكون هؤلاء في مكان ما على الارض وليس في كوكب آخر. واذا كان الصحافي القدير تمكن من تسريب الصور الفوتوغرافية عن الممارسات المخزية للجنود الاميركيين بحق المعتقلين في سجن "ابو غريب" فلماذا يعجز عن الاتيان بصور مماثلة للجيش الكردي والضباط الاسرائيليين الذين يدربونهم؟
ولكن التقرير كان قد نشر ولم يعد مهما التثبت من صحة مضمونه. كذلك لم يكلف احد نفسه مشقة البحث عن دليل. فالامر يستجيب لأهواء اوهام ومواقف مسبقة وهذا بحد ذاته اكثر من كاف في منظار القوميين ذوي المواقف المسبقة.
ما دفع القوميين العرب الى التشبث بتقرير هيرش ليست قوة محاججته او صحة منطقه او الايمان بنزاهة الاعلام الاميركي او ما شابه. ما دفعهم الى ذلك التشبث هو انه، اي التقرير، يشبع نزعة شبه مرضية تعتبر الآخرين، من غير القومية السائدة، اعضاء في مؤامرة كونية مستمرة. وبالنسبة الى اصحاب نزعة كهذه ثمة خطر ابدي يتهدد مجتمعاتهم وحكوماتهم ودولهم وكياناتهم. وتشكل القوميات غير العربية رأس حربة في هذا التهديد. وقد دأبت حكومة صدام حسين على وسم الحركات السياسية الكردية بأقذع النعوت. ووصفت الادبيات البعثية، وسواها من التيارات القومية العروبية، كردستان العراق بالجيب العميل، الانفصالي، الرجعي، الاستعماري، الصهيوني الخ.
وحين عمد الجيش العراقي الى ارتكاب المجازر التي سميت "حملة الانفال" بحق الاكراد وجرت حملات قتل كادت تصل حد الابادة الجماعية والتطهير العرقي وجرى استعمال السلاح الكيميائي ضد السكان في حلبجة وغيرها من مدن كردستان العراق وبلداتها لم يشكل ذلك سببا يقلق بال الكتّاب والمثقفين العرب. وحين كتبت الصحف العالمية تقارير عن الموضوع اعتبرها هؤلاء تلفيقا يندرج في سياق الاساءة للحكومة العراقية الوطنية.
ولا تزال "الدراسات والبحوث" تتوالى عن التغلغل الاسرائيلي في كردستان وهي تعطي المسألة بعدا خرافيا يصل الى حد القول بانتقال ثلاثة آلاف يهودي من اسرائيل الى كردستان لتحويلها اسرائيل ثانية.
هكذا فان الصحافيين الذين كتبوا عن مأساة دارفور واوردوا عنها صورا حية ووقائع وارقام ومقابلات وسوى ذلك هم مجرد كذابين، اما سيمون هيرش الذي كتب مقالته من على بعد آلاف الكيلومترات عن كردستان فيعد نموذجا للصدق والامانة.
كاتب كردي

0 Comments:
Post a Comment
<< Home