Saturday, February 19, 2005

حنين لدارفور القديمة..بقلم الدكتور عبد المولي كنجوم

حنين من المهجر لدارفورالقديمة

الاخبار التي تصلنا من دارفور تشيع الكاّبة و الحزن.

دارفور الحبيبة تحولت إلي ميدان تصطرع فيه أخس الغرائز البشرية وأقدمها بحيث

أصبح لون البشرة و قرية الميلاد الميزات الوحيدة التي تؤهل الفرد للحياة أو الموت.

دارفور التي تفتّحت فيها أعيننا لنري أشجار اللالوب والعُشر،الحراز والدبكر و الحمير

البلدية و الحمير الصعيدية ونسمع فيها في الصباح الباكر صوت بائعة الحليب البقارية

مغنية بجودة حليب بقرتها البكر و بائع المانقو الفوراوي

"الجبّالي" النازل لتوه من جباله و تأكيداته بأن المانقو الذي يعرضه للبيع " أهلي" منقة

في السودان و بائع التمر الزغاوي الذي يؤكد للشاري بأن تمر شمال دارفور بجانب

حلا وته يملك ميزات افروديسكية تفوق في قدرتها علي الفياقرا وأن أُم العيال في البيت

"ستشيل له الفاتحة".

و موزع البريد البرتاوي الذي لا يعرف القراءة ورغم ذلك يستطيع إيصال الرسائل إلي

أهلها لمعرفته الدقيقة بألوان الطوابع و ذوي المغتربين الباقين في البلد .

و بائع" الحجيبات" الفولاني الذي يبيع لك ما ترغب فيه سواء أكان ذلك شفاء من مرض

عضال او النجاح المؤزر مع "بنات حوا" أو التوفيق في البيع و الشراء.

و المؤذن التكاريري و صوته الرخيم داعياً للصلاة التي هي خير من النوم.

و الأُستاذ " كاتب العرضحال" الجالس علي كرسيه و أمامه طاولته في مدخل مكتب

البريد و دبلوماسيته الرصينة في الإستفسار عن "المُرام " من الرسالة.

هل المرام إستخراج الجنسية أو حث ذوي القربي لإرسال المصاريف أو إن

المرام يتعلق برفع ظلامة ؟ و عندما يتلعثم طالب الرسالة يعرف الكاتب الضليع أن

الموضوع يتعلق بالحب الدفين عندها يخفض صوته و يسأل بهدوء :

" سرك في بير .....إسمها شنو؟ بت منو ؟"

في مثل هذه الظروف الخاصة يلجأ الأستاذ إلي مرجعه " الرسائل العصرية " ليزّود

رسالة الحب بنبض الحياة من بلاغة كاتب بني دارفور المفضل الأستاذ مصطفي

لطفي المنفلوطي.

هل كل ذلك أصبح جزءاً من التاريخ الإجتماعي لدارفور؟

هل ستختفي إلي الأبد تلك الرقصات القبلية الرائعة التي كانت تقام في أيام الأعياد إحتفالاً

بالحياة و الإيمان وينتقل فيها المرء من كسوك الفور إلي رقصات الرقبة العربية ؟

هل سنعيش في دارفور موزعة بين الإثنيات ؟ دار عرب و دار زغاوة ودار مساليت و

دار برنو ودار داجو ودار تاما

ودارميدوب ودارتنجر و دار قمر و......... القائمة طويلة.

هل ستكون هنالك حدود اً عازلة بين هذه الديار ؟ مثل الحائط الشاروني في فلسطين؟ و

جمركاً و شرطة حدود و عملات للتبادل ؟

الأخبار التي تصلنا من دارفور تدعو للحزن .

لا نقبل أن تصبح دارفورنا منطقة موبوءة يرتص فيها جيران الأمس تحت رايات هتلرية

تحض علي القتل و الدمار بإسم العرق والارض.

منظر الزعيم الجنجويدي الذي قطعوا رأسه وعلقوه كتحفة في مكان عام أمر يثير

الإشمئزاز و التقزز.

و يوضح بصورة بليغة ما تحدثه الحرب من إنهيار في النفس البشرية وتجريدها من كل

نبل و فضيلة.

أتمني أن تتصدي كل القوي المستنيرة من أبناء الإقليم لإزالة عار الحرب و العنصرية

عن دارفورنا الحبيبة.

نقول مع هاملت ببعض من التحوير:

“ Something is rotten in the state of Darfur ”

عبدالمولي كنجوم

السويد .. نشر المقال بموقع سودان نايل

0 Comments:

Post a Comment

<< Home