حركة تحرير السودان ما بين النضوج السياسي والثورية العرجاء
حركة تحرير السودان ما بين النضوج السياسي والثورية العرجاء
بقلم احمد الحسكنيت hasknit@yahoo.com
توقعت أن أجد ساحة الجمهورية بروما ساكنة هادئة ، خاصة ونحن في فصل الشتاء ... ، ولكنها كعادتها في مواسم السياحة ذات الرواج ، وجدتها تعج بجموع من السياح والزوار واللوحات الفنية الرائعة ، وبعض من الصور للثائر الاممي أرنتسو أتشي جيفارا ، كأنه يقول بنظراته الثاقبة وطلعته الساحرة أن الثورة لم تغمد ، ولم تبلغ منتاه بعد .
هي وقفات ليست للمقارنة .... ولكن للتأمل والتبصر والمقاربة ..... إن جيفارا الذي يعيش رمزا لمختلف شعوب العالم بمختلف إنتماءاتهم ولغاتهم وسحناتهم ، إنما بلغ هذا السمو الممجد ليس بوسامته أو تحصيله الاكاديمي ... بحثا عن مجد أو سلطة .. بل ثورية بلا حدود ... وإيمان بمبادئ قهر الطغاة إلى درجة القدسية ، ونضال مشتعل لايحد منه مسؤليات المنصب وبريق إمتيازات السلطة ، وأفكار ناضجة تتجاوز الحدود الجغرافية ، والفوارق الطبقية والتمايز الثقافي والعرقي ، فيفضي إلى أنين المقهورين .. وأحلام المستضعفين من بني البشر .
**
(ما يهمني متى وأين سأموت ، ولكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين يملأون الأرض ضجيجا كي لا ينام العالم فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين) . جيفارا
هذا الثائر الأرجنتيني الذي تطابقت حياته مع المبادي التي آمن بها الي درجة السذاجة ، عندما نتأمل محطات هذا الثوري نلحظ أن مواهبه وثوريته لم تظهر في حرب الانصار في جبال سييرا ماسترا الكوبية ، أو في المعركة الفاصلة ضد نظام الديكتاتور باتيستا في سنتا كلارا العام 1956م والتي تعد العلامة المميزة في حياة جيفارا العسكرية، فكل هذه المحطات تلت قناعاته عقب رحلته بالدرّاجة النارية رفقة صديقه البرتوغرنادوس جاب خلالها الأرجنتين ، وشيلي ، وبيرو ، وكلومبيا ، وفنزويلا . فرسخت قناعته بظلم الانسان لأخيه الانسان ، وإستبداد الدكتاتوريات العسكرية . ولم تدفعه دراسته لطب الاسنان على التقاعس أو الابتعاد عن هموم الثورة وحتمية التغيير ، والإنزواء إلى عيادة طبية وخلع بعض الاسنان التالفة وما أكثرها ! بل إنطلق للإلتحاق بالأخوين فيديل وراؤل كاسترو بالمكسيك ، اللذين كانا يعدان لثورتهم الثانية .
بعد نجاح الثورة ، تولى منصب سفير الثورة المتجول ، وتسلم منصب وزير الزراعة ، ثم مديرالبنك الوطني فوزيراً للصناعة ، وخلال هذه المناصب كلها إستأثر أن يستأجر بيتا متواضعا بحي شعبي يدفع إيجاره من راتبه البسيط ، بعد أن رفض كل مخصصات الوزارة . فاتجه إلى تنظيم الثوار في إفريقيا ودعمهم وتدريبهم (الكنغو) وفي قارة أمريكا مما دفعه للاستقالة من وزارة الصناعة بعد خطاب تلقاه من والدته تؤنبه وتسأله هل كانت ثوريته من أجل تولي منصب قيادي .. !!
**
هذه المحطات تدفعنا للتأمل في ثورة أبناء دارفور ليس من الناحية العسكرية والنظم الأستبدادية السائدة ، لأن الزمان غير الزمان والمكان غير المكان ، عوضا عن الشخوص .
فاذا إفترضنا أن الثورة إنطلقت من جبل مرة ومن جبال سيرو وخاضت معاركها الفاصلة والمهمة في تاريخ الثورة ، بمطار الفاشر ، وكتم ، ومليط ، .. ورغم الانضباط الثوري للمقاتلين فنجد في الجانب الاخر والاهم ، عدم وضوح الرؤى الفكرية الثورية ،والخطاب السياسي والتخبط التنظيمي الذي يرقى إلى درجة تأليه القائد والاستنصار بالقبيلة والعشيرة والاصدقاء المقربون مما أفرغت الثورة من إنتصاراته السابقة ، وأحبطت عزيمة المجتمع الدولي المتعاطف إنسانياً وأخلاقياً مع مأساة إنسان دارفور .
إن هذا النهج العبثي والمخجل لكل ذي فكر ثاقب حصيف ، يفضي بنا إلى عمل ثوري داخل الثورة نفسها وإبعاد من يظن نفسه أنه رسول متبع ... أو قائد ملهم يتاجر بالمأساة ، فالمأسأة تجاوزت حد إنتظار نبؤة الرسل ! أو إنتصار قادة خرجوا من ميدان القتال الحقيقي .. ليبارزوا بسيوف من ورق وصفوف من قطط جنجويدية وكلاب أمنية مندسة تفزعها صيحة المؤسسية والمبادي والمحاصصة الجغرافية .
لم نكن ننساق إلى هذا الحديث اذا عمد قادة الثوار ساعة خروجهم من الاراضي المحررة إلى تنظيم صفوف الجمع من أهل دارفور والإفصاح عن انين المقهورين ، كما عمد إلى ذلك الثائر أتشي جيفارا ، وإبتعاث رسل للثورة بمبادئها وأهدافها وتطلعات أهلها إلى مجاهل أفريقيا، وفيافي المنظومة العربية ، وإلى المنظمات والدول الصديقة التي تجاوبت مع أنين وإستغاثات المقهورين والمسحوقين بآلة الحكومة والجنجويد .
**
يعلمنا جيفارا ، كيفية الخطاب والتواصل مع الاخرين من خلال جولاته إلى مصر جمال عبدالناصر ، وإلى الصين ولقائه بالقائد ماوتسوتونغ ، والاتحاد السوفيتي وإلتقائه خروشوف ، وكان هدفه ورسالته وفلسفته مساعدات عسكرية ولوجستية للثوار والمقاتلين ، والمساعدة في ايجاد الأمن السياسي والعسكري للثورة ، في المقابل، تجاهل قادتنا الزيارات التعريفية بالثورة ، واداروا الظهر لنصح مفكرون وقادة اوفياء من خيرة أهل دارفور والسودان ، بل ذهبوا أبعد من ذلك عندما سجلوا غيابا تاما عن محافل في غاية الاهمية تتيح لهم فرصة الخطاب والتواصل ، وادل على ذلك غيابهم عن مؤتمر الكتلة المثقفة السوداء الذي عقد بداكار اواخر عام 2004م ، وكانت أهم تساولاتهم أنترك إخوتنا في دارفور هكذا ؟ ومؤتمر الرؤساء الافارقة الذي عقد بابوجا يناير 2005م، وكان كثير من القادة ووزراء الخارجية يسألون عن أهل دارفور ...!!
عوضاً عن الخطاب الاعلامي الصبياني الخصامي الذي وضع إسفيناً بيننا وبين الاخوة العرب وهم نافذتنا إعلامياً لمخاطبة جماهيرنا باللغة التي يفهمونها ، إن مشاركة الجنجويد للحكومة في الحرب لايعني تواطؤ عرب السودان او الدول العربية في إرتكاب المآسأة .
هذه الزيارات دفعت جيفارا للتعليق امام اصدقائه انه وجد الماركسية اللينينية في الصين اشد نقاء عما عليه في الاتحاد السوفيتي ، وان أقرب التجارب للثورة هي نموذج جمال عبدالناصر . وهذا الغياب من جانب الثوار ، يدفعنا إلى القول إن العبطية الثورية والتدافع المصلحي اكثر إيغالاَ في هرم قادة الثورة عما عليها في القواعد العسكرية والجماهيرية .
**
هنالك عرج في الثورة تنظيماً وإحتواءً ، وعوج عندما إحتضنا مزواجوا المتعة .. !! ومسحنا ظهور القطط الجنجويدية فانتشت وعربدت ....
وحتى لايفض بنا العرج الوقوع في حيل المتربصين ، وتدفعنا إستإناس زواج المتعة إلى الإحتراب والاقتتال فعلينا أن نتبصر ونعقل ..
**
إن المتابع لتجربة الثورة الكوبية ، يلحظ هذه الثنائية الاممية الثورية الفريدة ، بين المحامي الملهم فيدل كاسترو والثائر الارجنتيني ارنتسو جيفارا ، ثنائية نشأت على الايمان بالمبادي الانسانية مع الولاء الشخصي والنضال غير المحدود ، مع النضوج الفكري والرؤى الواضحة والاصغاء الممعن لتجارب الامم والشعوب المقهورة .
((إذا لم تؤدي الشيوعية إلى خلق إنسان جديد فليس له أي معنى)) جيفارا
ونحن نقول إذا لم تؤدى الثورة إلى خلق إنسان جديد فليس له أي معنى .... إن هذا التجاذب الذي يحدث والاستقطاب الذي يدور يرهق شهدائنا تحت الثرى ، ويحزن أهلينا الذين شردتهم ويلات الحرب ... ويفتح طاقة التنصل لمجرمي الحرب الذين يقهقهون ملئ الشدقين لهذه المراهقة الثورية والمعارك الانصرافية .
**
همس الوداع
إلى الشموع التي أضاءت وخبأت تحت الثرى ..........وهج الثوار الشهيد عبداللة أبكر ،عمدة الشهداء يحى محمد أدم ، فقيه الشهداء عبده كبير . وآخرون مضوا على الدرب .. مدونا من ذلك القبس فالظلام دامس والسير أعوج .
أحمد الحسكنيت
25/1/2005
روما

0 Comments:
Post a Comment
<< Home