العالم .. وداعاً للعدل..نقلأمن الرأي العام
ادريس حسن | |
| العالم .. وداعاً للعدل يبدو أننا لسنا المستهدفين وحدنا بالمخططات التآمرية التي تحاك لبلادنا من قوى الهيمنة الدولية التي تريد أن تفرض وصايتها على الدول النامية للإنتفاع بمواردها وثرواتها ، في عالم يشهد تناقصا في الموارد وزيادة في السكان ، مستغلة النزاعات الداخلية وظروف عدم الاستقرار في بعض الدول لتمرير أجندتها بشتى السبل ، حتى ولو كان ذلك قسراً فهناك عدة دول غيرنا هي ايضاً مستهدفة ، وعلى سبيل المثال نشير هنا الى ما قاله رئيس الحزب البوذي في سريلانكا إيمال ديكروانسا الذي وجه تحذيرا ذكر فيه ان هنالك مؤامرة عالمية تستهدف سريلانكا بإتباع «النموذج السوداني» في الإستهانة بالحكومة ، والمضي قدما في الإنحياز الى جانب متمردي «التاميل» بفصل المناطق الشمالية والشرقية من البلاد . وإتهم بعض الساسة وعدداً من المنظمات الانسانية والطوعية العالمية بالتورط في هذا المخطط . ووصف مشاركة اطراف سياسية من احزاب سيريلانكية في التآمر بأنه يرقى إلى مستوى الخيانة العظمى ، مضيفاً بأن التآمر العالمي يستهدف الصين نفسها وربما الهند على نفس طريقة (النموذج السوداني) الذي وضحت معالمه وتفاصيله. إن هذا الحديث لزعيم الحزب البوذي في سريلانكا قد جسد صورة بذات الملامح والشبه لما يجري في بلادنا ، بغرض تحذير القوى السياسية الاخرى والدول المستهدفة من ذلك المخطط ، وهي بالقطع دول لا تقوى على مواجهة الدول الضالعة في ذلك التآمر بحسبان ان تلك الدول وفي مقدمتها امريكا هي صاحبة اقوى قدرات عسكرية واقتصادية اضافة إلى التقدم التكنولوجي على مستوى العالم كله وذلك يعني أنها تمتلك عناصر القوة كافة عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا . وحين نمعن النظر في معطيات الواقع السياسي الدولي فإننا نلحظ عدة أوجه تكرس اتجاه تلك القوى الدولية الى الهيمنة على الدول التي تفتقر الى عناصر القوة ، في تلك المجالات الثلاثة بالتحديد ، وفي غضون هذا الواقع الدولي نلحظ تحديداً أن القرارات التي دأب مجلس الأمن على إصدارها بشأن بعض القضايا التي تتعلق بالدول الضعيفة تتم صياغتها واخراجها وفقا لسيناريوهات معدة سلفاً. ونقول بأنه ليست هنالك دولة من دول العالم الثالث ستنجو من الاستهداف على هذا النحو ، اي عبر قرارات مجلس الأمن الدولي ، ذلك لأن تلك الدول بحكم تركيبتها العرقية هي كلها دول فيها تعددية اثنية وثقافية ، مثل ما تجسد ذلك مشكلة (الأمازيغ) في الجزائر ومشكلة الصحراء في المغرب ، اضافة إلى مشكلة الأكراد في شمال العراق . ولذلك فإن هذا الوضع يتطلب من دول العالم الثالث ان تتوحد ، لأنه قد يحدث لها تحت هذه الذرائع ما قاله هذا الزعيم البوذي ، والذي يصلح حديثه ليكون دافعاً لتلك الدول المستهدفة لتكوين تجمع عريض يحميها من كل ما يتهددها من اخطار دولية ، في غياب فرص العدالة على الساحة العالمية التي يبدو أنها قد ضاعت منذ فترة ، يوم ان افتقدت الساحة التوازن بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات ، بإختراق الغرب للستار الحديدي وانهيار جدار برلين الذي كان في وقت سابق يفصل الألمانيتين (الشرقية والغربية) عن بعضهما البعض ، بسبب فوارق الأيديولوجيا وخلافات الانظمة السياسية إبان مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي «الشيوعي» والغربي «الرأسمالي». وكان من النتائج المباشرة التي أفضت اليها متغيرات الواقع الدولي ، بعد إنفراد امريكا بالهيمنة على الساحة العالمية ، كان منها انفتاح شهية القوى الاستعمارية ، لتتمادى في مخططاتها وتوسع من أطماعها لتضع كل الدول الضعيفة تحت سيطرتها ، تماما مثلما حدث في الحرب العالمية الثانية حينما وصلت جحافل الجيش الألماني في ظل النظام النازي الذي كان يقوده هتلر ، أشهر ديكتاتور في العالم في العصر الحديث ، وصلت تلك القوات الألمانية إلى دول شرق أوروبا ، لتكتسح سريعاً بولندا وغيرها من دول المنطقة ، بما فتح لها الطريق إلى فرنسا نفسها . وإن تلك الإنتصارات - لولا لحاق الهزيمة بالألمان في ستالينغراد - قد جعلت هتلر يطمع في الوصول إلى روسيا ، رغم أن جيشه لم تكن له قوة كبيرة ، وإنما كان معتمداً على إرادة قتالية لا تحدها حدود . إن الإستعادة لتلك الملامح الماثلة على الواقع السياسي الدولي الراهن وإجراء مقارنة بينها وبين تلك الحقبة التاريخية التي شهدت تصاعد أطماع ألمانيا خلال فترة سيطرة النازيين ، تجعلنا نتبين التشابه الشديد بين واقع الأمس وواقع اليوم ، على الساحة السياسية الدولية ، مع اختلاف الزمان والمكان. ونحن نعتبر ان المخططات التآمرية التي تحدث اليوم تشكل اكبر جريمة في التاريخ الحديث للانسانية ، حيث إنهارت كل قيم العدل التي كانت تحفظ توازن المعادلة بين الاقوياء والضعفاء . ان ما نتحدث عنه من مفهوم للعدل ، يتجسَّد في الحق ، وكليهما - العدل والحق - لابد لهما من قوة تحميهما. وان الدول الضعيفة - بالقطع - لا تملك الامكانات الهائلة المتوفرة لدى الدول الكبيرة ، بما للأخيرة من قوة إستطاعت من خلالها تكريس هيمنتها ونفوذها بوضوح ، بشكل استهدفت عبره دول العالم الثالث طمعا في استغلال مواردها الاقتصادية والاستئثار بها . غير أننا نعتبر ، في هذا السياق ، أن الدول الضعيفة تمتلك - رغم ما أشرنا اليه من مؤشرات حول واقعها الراهن- سلاحاً قوياً يتمثل في إمكانية التأثير عبر إتجاهها الى انشاء تكتل جديد يحميها ويعطيها قوة وفاعلية لحماية حقوقها ومكتسباتها ونعتبر ان المعطيات الماثلة حاليا على الساحة الدولية لا تتضمن اية فرصة لهذه الدول للبقاء والحفاظ على مصالحها سوى بالتوحد فيما بينها لإيجاد ما تحدثنا عنه من تيار دولي جديد ، تنخرط فيه الدول كافة التي ترفض الإذعان لقوى الهيمنة الدولية . وما ننادي به من دعوة لهذه الدول الى التكتل والشروع في تجسيد كيان كبير موحَّدٍ لحماية مصالحها ، يتطلب منها توحيد صفها وتقوية تماسك جبهتها الداخلية وذلك الامر يتطلب ارادة سياسية قوية ونافذة لدى قيادات تلك الدول والقوى الفاعلة والمؤثرة فيها كما أنه يجب عليها تجنب الانكفاء على الذات ، والانفتاح على الدول الأخرى ، لأن الدولة التي لا تتعرض اليوم للاستهداف من قبل قوى الهيمنة الدولية، ربما تتعرض لخطر الاستهداف ويأتي الدور عليها غداً من خلال أي سيناريو تعده تلك القوى بهدف خلق أزمات عديدة لها بشتى السبل والوسائل. لقد اشار ذلك الزعيم البوذي الى تعرض عدة دول في نطاق الدول الآسيوية لخطر الاستهداف من قبل القوى الدولية المهيمنة ، وهو أمر يتطلب من الدول المعرضة لذلك الخطر أن تسعى بجدية إلى تفاديه ، ويستتبع ذلك أن لا تتحرك تلك الدول بشكل منفرد ، أو أن تتجاهل بعضها خطورة هذا الإستهداف بإعتبار أنه لا يعنيها في الوقت الراهن ، فإن عليها الحذر من أن تنطبق عليها ذات يوم مقولة : «أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض». وتستوجب هذه التحديات التي استعرضناها بإيجاز ان تشرع دول العالم الثالث إلى إقرار مبادرة سريعة تشكل بموجبها ذلك التكتل الدولي فيما بينها ، والذي تحدثنا عنه آنفا. ونقول بأن ذلك التكتل يجب ان يكون متعديا النطاق الاقليمي ليشمل مختلف الدول عبر قارات العالم كافة. ونقول هنا بأن التكتلات السابقة على المستوى العالمي قد فقدت فاعليتها بما فيها الأمم المتحدة. ونضيف القول بأن هدف ما نقترحه من تكتل دولي جديد ، يضم (الدول الضعيفة) والمعرضة - بإستمرار - للإستهداف من قبل دول الهيمنة على الساحة العالمية ، ان ذلك الهدف يتمثل في العمل بشكل جماعي - من خلال ذلك التكتل - لبسط العدل وإعادة قيمه المفقودة ، تجنباً لتلك المخططات التآمرية من قبل قوى الهيمنة التي تريد ان ترجع عالم اليوم إلى عهد (شريعة الغاب) التي يأكل فيها القوى الضعيف ، كما يحتم الوضع الماثل إزاء المخططات ضد السودان العمل على معالجة الازمات الداخلية والنزاعات المحيطة بصورة تفوت الفرص على مدبري تلك المخططات. وهذه الاوضاع إجمالاً تستوجب - في نظرنا - ان تسارع الدول المعرضة لخطر الاستهداف من قبل قوى الهيمنة العالمية بالتفاكر حول كيفية تفاديها لذلك الخطر. وعلينا هنا ان نتذكر ما كان لمؤتمر دول عدم الانحياز ، خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي ، من أهمية وتأثير على مجريات الاحداث الدولية في تلك الفترة ، حيث كانت الدول الكبرى تضع لذلك المؤتمر حسابا خاصاً . ونرى بأن معطيات الواقع باتت تستوجب حالياً وبإلحاح شديد المسارعة بمواجهة هذه المستجدات الدولية الراهنة قبل ان تمضي تلك المخططات الى مدى متقدم ، بما يهدد مصالح هذه الدول الضعيفة . وبالتأكيد فإن مشروعاً كهذا سيلاقي صعوبات عديدة إذ أن الدول الكبيرة سوف تسعى الى إختراق اية محاولات من هذا النوع للحيلولة دون نجاح الفكرة المحركة لهذا المشروع خاصة ان هنالك اختراقا ظاهرا من قبل تلك القوى المهيمنة لمجتمعات الدول التي نعنيها ، في محيط دول العالم الثالث. وأقرب مثال لذلك ما نراه في العراق الذي تتحالف فيه قيادات سياسية وطنية مع الاجنبي على حساب القوى الأخرى . وهذا النهج صار سمة أساسية في الاستراتيجية الامريكية الجديدة ، وبدأ تطبيقه اولا في افغانستان ، ثم في العراق . وهنالك حديث من قبل واشنطن الآن عن ايران وسوريا ، عبر إستهدافها لهما تحت ذرائع شتى . إننا حين ندعو إلى انشاء تكتل عالمي من هذا النوع ، فذلك لادراكنا بأن كل المحاولات التي حاولت بها تلك الدول التصدي لمخططات القوى الاستعمارية لم تجد شيئاً ، لكونها تمت على نحو انفرادي وايضاً لأن مجتمعات هذه الدول نفسها ظلت غير متوحدة ، فهي متصارعة ومختلفة فيما بينها ، ولعل ذلك شكل ثغرة خطيرة للتدخل الخارجي في شئون تلك الدول . وهذا ما نلحظه بالذات في المنطقة العربية ، فما من كاتب او محلل إلا وكتب وما من صحيفة إلا وكتبت ، عن تلك المخططات للتحذير منها ، حتى نفذت الكلمات والمفردات في قاموس اللغة العربية رغم تعدديتها وعدم محدوديتها وبما انه لم تحدث استجابة لتلك التحذيرات والدعوات الى توحيد الجبهة الداخلية في تلك الدول ، فلابد من التفكير في إنشاء جبهة عريضة لدول العالم الثالث قبل أن يبتلعها طوفان جارف ، أسوأ من فيضان «تسونامي» الشهير ، والأخير هو من فعل الطبيعة ، بينما الطوفان الذي نقصده هو من صنع الانسان نفسه. فإن تراجعت في أعماقه القيم التي تنظم العلاقات الإنسانية دون جور أو ظلم أو هيمنة على الضعفاء تحت مخططات شتى ، تتم عبر «الشرعية الدولية» أو خارجها ، فإن ذلك سينذر بشر مستطير ، لأنه إن لم تبادر القيادات السياسية المعنية بالأمر في تلك الدول المستهدفة فإن الزمن ليس في صالحها، بسبب إيقاعه المتسارع ، وإن تلك الهيمنة لا يمكن إيقافها إلا عبر حائط صدٍ متين هو التجمع الدولي الذي نعنيه . وهي دعوة ليس الغرض منها معاداة الآخرين دون مبررات ، وإنما المراد منها الحفاظ على حقوق شرعية قبل إستلابها بنجاح المخططات ، وهو أمر يتطلب المبادرة السريعة وإتساع دائرة الاتصالات السياسية لإنفاذ مشروع هذا التكتل الدولي ، حيث أننا نرى أن الضعفاء اذا ما تجمعوا فسوف يصنعون قوة ، خاصة أنهم يدافعون عن قضايا عادلة بعد أن غاب العدل في العالم كله ، وبعد ان شهد العالم تراجعاً كثيراً في القيم التي تعارف عليها في السابق وصنعت حضارته الحالية وان هذا التجمع يضم مساحة كبيرة من الارض وكثافة سكانية هائلة ، وفيه دول حققت من النهضة والتقدم الاقتصادي الشيء الكثير وبإمكانها من خلال نشر هذه الدعوة أن تشكل قوة جديدة تحفظ التوازن في العالم ، التوازن بين الأقوياء والضعفاء والذي تستطيع الدول الضعيفة من خلاله ان ترفع عن شعوبها الظلم المدبر لها وبدون ذلك لا يمكن لها ان تأمن غدها وان تجد لها مكاناً تحت ضوء الشمس في ظل واقع نجد فيه ان القرار بإستلاب مواردها قد صدر - من قبل قوى الهيمنة الدولية - وشُرِع في تنفيذه ، الأمر الذي يهدد أمنها القومي وسيادتها الوطنية بشكل مباشر | |

0 Comments:
Post a Comment
<< Home