Saturday, March 26, 2005

قيامة دارفور..مشاهدات وشهادة...الحلقة الاولي

قيامة دارفور.. مشاهدات وشهادة
الحقوا النازحين.. الآن الآن.. وقبل فوات الأوان
استجابة لـ «نداء دارفور» الذي اطلقته «الصحافة» وتبنته منظمات المجتمع المدني بقيادة «جمعية التنوير»، انضممت إلى القافلة التي طارت الى جنوب دارفور للوقوف على أحوال الناس هناك، وتقديم المساندة المعنوية والمادية الممكنة لمنكوبي الأزمة.
كنت احتاج شهراً وربما أكثر لاستيعاب واستبطان ما شاهدت وما عايشت هناك، الذي ذكرني بمشاهد يوم القيامة القرآنية «يوم يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امريءٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه».
هبطنا نيالا عاصمة الولاية، واحدة من أجمل مدن السودان برغم شح الموارد والمدخلات، الشوارع نظيفة والخضرة هي الطاغية وأشجار المانجو والحراز والبلوط والنيم بأحجام غير معهودة، الأمر الذي حفزني لاستلال الكاميرا وأبدأ التصوير. لكن مفاجأة صاعقة كانت في انتظارنا. ذلك عندما استقلت القافلة الحافلات واتجهت صوب معسكر «كِلْما» ـ بكسر الكاف وتسكين اللام، وتعنى بلغة الفور «القلب».. وجدنا أنفسنا في عالم آخر. فالمفارقة عظيمة حقاًَ وفوق أي تصور. الناس هناك كأنما هم خارجون لتوهم من القبور. النزوح والفقر والأثمال المهلهلة والعيون الجاحظة والنظرات الزائغة الهائمة تحيط بك من كل صوب وحدب. وكان في انتظارنا في اليوم الذي يليه ـ أيضاً ـ مخيم «عطاش» الذي يتفوق على «كلما» في «كآبة المنظر وسوء المنقلب». الأطفال هنا وهناك يشكون الجوع والعري والمرض والفقد التربوي وليس من معين ولا مغيث.
في معسكر «كلما» وتحت «عريشة» مفوضية العون الانساني الحكومية، جلسنا نستمع لشيوخ النازحين. وهم كما قالوا ليسوا الشيوخ الطبيعيين لتلك القبائل، انما تم اختيارهم هنا في المعسكر لتنظيم عملية توزيع المواد والحصص الغذائية، فشيوخهم إما قتلوا أو هاجروا الى الخرطوم تحت وطأة القتال. حكى لنا هؤلاء الشيوخ كيف اضطروا مع الآلاف المؤلفة من أهلهم للفرار من نيران المهاجمين الذين شنوا عليهم حرباً لا تبقي ولا تذر. أحرقوا عشرات القرى وقتلوا كل من صادفهم أو كان في مرمى نيرانهم. جاءوا من المنطقة المحيطة بزالنجي في غرب دارفور ومن شطايا ومن وادي صالح ومن مارلا ومن يارا ومن الحجير ومن شمال دارفور، ليقيموا أول الامر في معسكر «انتفاضة»، تجمعوا فيه على عجل قرب نيالا، قبل أن تحركهم حكومة الولاية إلى معسكر «كلما» الذي تضاربت الأرقام حول عدد قاطنيه بين 147 ألف نسمة و69 ألف وفقاً للرقم الذي ذكره الوالي. ويشكل الفور نحو 60 في المائة من سكانه. اما الباقون فهم اما من الزغاوة أو الداجو. ولا يوجد بينهم من ينتمون الى القبائل العربية.
إن ما سمعناه من حكايات هؤلاء الشيوخ ومن غيرهم من المنتمين إلى ما يعرف بقبائل «الزرقة» يعبر بشكل صارخ عن فقدان الثقة بينهم وبين الحكومة، فهم ـ كما قالوا ـ يتمسكون بالبقاء في معسكراتهم هذه، رغم ما يعانونه من شظف العيش والاهمال والمرض وفقد أطفالهم لفرص التعليم، لأنهم لا يثقون في أن الحكومة ستوفر لهم الأمن أو الحد الأدنى الضروري من المعاش ووسائل كسب العيش والاستقرار.
كانوا يتحدثون بحرقة وأسىً شديدين، قالوا: نحن أتينا إلى هنا هاربين، لم نتمكن حتى من دفن موتانا، وأنتم تأتون اليوم وبعد كل هذا الوقت الطويل لتسألونا ماذا جرى؟ ووجهوا لنا مآخذ مباشرة لأننا لم نعزهم ولم نرفع الفاتحة على أرواح موتاهم، مما اضطرنا لاستدراك الأمر والوقوف مجدداً لتعزيتهم وقراءة الفاتحة.
أكد جميع هؤلاء الشيوخ أنهم ومواطنيهم في تلك القرى المحروقة لا صلة لهم من قريب أو بعيد بالتمرد او بالسياسة. وأنهم مواطنون عاديون وجدوا أنفسهم فجأة في اتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. تحدثوا عن أنهم شعروا بنذر الحرب عندما بدأ أناس من القبائل العربية يعرفونهم ويساكنونهم في القرى والفرقان يتسلحون، فسألوهم عن داعي السلاح، فكانوا ـ كما قالوا ـ يردون عليهم بأنهم يريدون أن يحموا أنفسهم. ربما في إشارة إلى التمرد. ولكنهم بوغتوا بعد حين بأن تلك الأسلحة استهدفتهم في غارات مفاجئة يشترك فيها مئات المقاتلين ذوي التسليح الحديث، يحرقون قراهم وينهبون ماشيتهم ويقتلون كل من تطاله بنادقهم.
أما بصدد العودة الطوعية، وقد اقيمت ـ كما علمنا من الوالي المهندس الحاج عطا المنان ـ العديد من القرى وشيدت بها المدارس والعيادات الصحية، فهم يقولون انها غير ممكنة الآن، وذلك لفقدان الثقة والخوف من غارات الجنجويد. وعبر عن ذلك الشيخ عبد الله أبكر صالح (امام مسجد) الذي قال إن الجنجويد الآن أثقل تسليحاً «والضايق عضة الدبيب بخاف من مجر الحبل» ونحن الآن لا نستطيع حتى الخروج من هذا المعسكر للاحتطاب. وروى حادث قتل احدى النساء التي خرجت لجمع الحطب على بعد قريب من المعسكر.
لكن هؤلاء الشيوخ وغيرهم، أقروا وبرغم كل ما جرى أن المناخ العام قد أخذ في التحسن وان حدة التوتر قد خفت مع مجيء الوالي الجديد المهندس الحاج عطا المنان، الذي كان أول مسؤول حكومي يدخل معسكر «كلما».
الوالي أقام لنا عشاء عمل تحدث خلاله كثيراً عن تجربته مع الاحداث، وبدا واضحاً ان الرجل على اطلاع عميق بشؤون المنطقة، حيث سبق له العمل فيها من قبل أيام ولاية الطيب محمد خير، كما أن حديثه لم يخل من الصراحة والوضوح، فأرجع الاحداث والكوارث التي رافقتها وانفجار التمرد، إلى ضعف الحكومة التي قال انها لم تكن موجودة أو فاعلة وجاءت متأخرة.. فلم يكن هناك جيش ولم تكن هناك شرطة إلا النذر اليسير من كليهما.. وعزا المأساة إلى انتشار السلاح والمتاجرة فيه على مدى سنوات قبل انفجار التمرد، نافياً ان تكون الحكومة هي التي زودت بعض القبائل بالسلاح لمواجهة التمرد. واعترف بتقصير الحكومة لأنها ـ كما قال ـ استصغرت المشكلة.
وهنا توجهت للوالي عطا المنان بسؤالين: الأول هو كيف يفسر ما ظل يعلنه موسى هلال ناظر المحاميد عبر أحاديثه الصحفية بأنهم هبوا للدفاع عن الوطن بعد أن دعتهم الحكومة للدفاع الشعبي؟ والثاني هو ما الذي سيفعله إزاء هذه المعسكرات وما هي إلا شهور قليلة ويحل فصل الخريف الذي قد يقضي على نصف سكان المعسكرات من نوع «كلما» و«عطاش» حيث يلتحف الناس الارض ويستظلون بالسماء إلا من بعض عشش لا تكاد تقي قاطنيها هجير الشمس؟
أجاب الوالي بأن الحكومة لم تجند الجنجويد ولم تكن بحاجة لتسليحهم، فالسلاح ـ كما قلنا ـ منتشر وبأيدي الناس من زمان. وقال انني والوالي السابق الطيب محمد خير وأحمد ابراهيم الطاهر كنا نعرف ان المشكلة ستقع. اما بشأن المعسكرات، فلم يكن حتى وقت قريب مسموح للحكومة بالاقتراب من المعسكرات، سواء من جانب المنظمات الدولية والطوعية المشرفة أو لروح العداء المتفشية وسط النازحين. وأوضح أن جل المال الذي يقال انه يصرف على النازحين وضحايا الحرب لا يصل منه اليهم سوى 12 في المائة. فعندما نعلم أن الرقم المعلن للصرف على هذه الولاية من جانب المنظمات الدولية هو 500 مليون دولار وننظر للواقع، نكتشف أن هذه المنظمات لا توجه هذه الأموال الى مستحقيها.
والحقيقة التي يلحظها أي مراقب، وكانت مثار تعليقات وفدنا، هي أنه لا في معسكر «كلما» الذي يضم بين جنباته اكثر من مائة ألف نازح، ولا في معسكر «عطاش» ذي السبع والعشرين ألف نسمة، توجد خيمة واحدة تظل أسرة من الأسر. الاستثناء الوحيد هو معسكر «السريف» الذي أقامته حديثاً «منظمة الإغاثة الإسلامية» السعودية بالتعاون مع بعض المنظمات الأخرى ومفوضية العون الانساني الحكومية. وهو بالمقارنة يعتبر معسكراً مثالياً من حيث التخطيط وتوزيع الخيام والغذاء والصحة والتعليم. وقد تم تهجير نحو 300 أسرة من ساكني «كلما» اليهم ومعظمهم من قبيلة «القِمِر».
إن الحكومة مطالبة بوقفة حازمة وقوية إزاء هذه المنظمات العديدة التي تزحم سياراتها الفارهة والمكيفة ذات الدفع الرباعي شوارع نيالا، والتي بلغ بها العبث استئجار المنازل في تلك المدينة الاقليمية بملايين الجنيهات، بينما الأطفال يموتون في المعسكرات من الجوع والمرض والبرد. وهي كما يقول العارفون تضخم فواتيرها لتستجلب عطف المانحين والخيرين، في أوروبا والولايات المتحدة. فالشفافية معدومة تماماً والفساد «على عينك يا تاجر» وليس هناك من رقيب أو حسيب.
وفوق هذا وذاك فإن دارفور ومن خلال مشاهداتنا الميدانية، أحوج ما تكون اليوم إلى إعادة رتق النسيج الاجتماعي ودرء الفتنة وثقافة العنف. فالنعرات القبلية قد استشرت بشكل لم يسبق له مثيل لسببين: السبب الأول هو الهجرة المفتوحة لفروع القبائل المشتركة القادمة من خارج السودان، من تشاد، هذه القبائل المشتركة «عرباً وزرقة» أتت إلى دارفور بعادات وأعراف عنيفة وعدوانية لم تكن معروفة في سابق العهود. أما السبب الثاني والأهم فهو الدولة ـ دولة الانقاذ والحركة الاسلامية قد لجأت إلى تقوية الجهويات والقبليات، كما اعترف بذلك كل من الدكتور غازي صلاح الدين ود. احمد مجذوب وزير الدولة بالمالية ود. عبد الوهاب عثمان وزير المالية السابق في ندوة «هيئة الأعمال الفكرية حول الحركة الإسلامية» وذلك بهدف استقطاب الدعم الجماهيري وتعويض الضعف الذي تشهده الحركة. وكما قال د. غازي «فإنه لما ضعفت الحركة الاسلامية وضعف الملاذ هربوا الى قبائلهم» - «أخبار اليوم ـ 21 مارس 2005م».
فالدولة ينبغي أن تكون للجميع في كل مكان، تحميهم وتخدمهم وتحكم بينهم بالعدل. فلابد إذن من عمل وجهد حازم وحاسم وعاجل، يجعل كل مواطن في دارفور يشعر بأن الدولة له وليست عليه، فلابد من استعادة الثقة عبر اجراءات واضحة وصريحة. وفي مقدمتها نزع السلاح وإشاعة الأمن والطمأنينة وتوفير الحد الأدنى من وسائل كسب العيش، إذا أُريد لدارفور الاستقرار. وألاَّ يكون مثل هذا العمل والجهد رهيناً بعملية المفاوضات التي قد تطول ويكون الوقت قد فات و«غناي هؤلاء المساكين المسحوقين قد مات..نقلأ من موقع صحيفة الصحافة الالكترونية

0 Comments:

Post a Comment

<< Home